مُنِيَ التشريعُ الإسلامي بنكسة كبرى ارتفعت إلى مستوى الكوارث الإنسانية، ذلك حينما أُقصي أهل البيت(ص) عن قيادة الأمة، وأُقصي معهم فقههم في التشريع، واستُعيض عن ذلك بمرجعية الصحابة وفقاهة التابعين، وهذا يعني إبعاد أئمة أهل البيت(ص)، ابتداءً من أمير المؤمنين(ع) وحتى الحجة المنتظر(عج)، عن مضمارهم في نشر حضارة الإسلام، ودورهم في الإفتاء بفروع الحلال والحرام، وإعلاء كلمة الله في الأرض، وهذا ما حدث فعلًا.
وقد حظر على الفقهاء تداول الأئمة صراحة، وربما كان رأي أهل البيت(ص) أحيانًا يُمزج بغيره لئلا يُعرف مصدره، وربما كُنّي به عن أعلامهم؛ كأمير المؤمنين(ع): بـ(أبي زينب) أو (الشيخ)، وعن بقية الأئمة: بـ(قال الرجل)، أو (قال العلَم)... وهكذا.
كان ذلك اتجاهًا سياسيًّا يُراد في محاولةٍ لإخماد اللهب المتوهج من عطاء أهل البيت(ص) الفكري، وكان البديل زعامات مرجعية لا نصيب لأغلبها من ورعٍ، ولا أثارة من علم، ولا سابقة في إيمان.
وكان للعباسيين -لا سيما أبي جعفر المنصور- الدور الفاعل في ابتكار المذهبية على أساس الولاء الحاكم، واختيار الفقهاء المتجاوبين مع سياسته الخرقاء في القتل والتدمير وسفك الدماء، والاعتداء على الهاشميين من أبناء أمير المؤمنين(ع) بصنوف العذاب.. فقد فتح الباب على مصراعيه في استغلال وعّاظ السلاطين..
فتسنَّم منصةَ الإفتاء غيرُ المؤهلين علميًّا ودينيًّا، ففسّروا كتابَ الله بما لم يُنزل به سلطان، واخترعوا الأحاديث الكاذبة في ولاية الظالمين، وقالوا بالسنّة بالأهواء، وضربوا بالعقل عرض الجدار، وأنزلوا الشريعة منازل الرأي دون النظر في الأدلة، وذهبوا إلى الاستحسان دون الاستنباط، وإلى القياس دون الاجتهاد القائم على الدليل والقواعد الفقهية والأُصولية.
وكان لهذه الظاهرة إشكالية مريرة في تاريخ الإسلام التشريعي، وهي ليست مشكلة سياسية تُحلُّ بالإداريين والولاة والكُتّاب، وهي ليست مشكلة اقتصادية تُعالج بالرفاهية وبذل الأموال، وهي ليست مشكلة عسكرية تُحتوى بتعيين القادة ورجال الحرب والتجنيد الإلزامي، ولكنها مشكلة دينية خطيرة تتعلق بهذا الدين الحنيف، في السُّنَّة والفقه والتشريع وإفتاء المسلمين، وتتعلق بتطبيق قانون السماء المختار من الله تعالى بين العباد.
وهنا بدأ الفراغ القاتل في حياة الشريعة ينذر بالخطر، ولم تكن الفئات المتغلبة سياسيًا بإزاء ملء هذا الفراغ الحقيقي، إذ انقسموا متاجرين وولاة وحكامًا وسياسيين، وأهل الدنيا، ورجال أعمال، وسوادًا ولم يكن هناك..
ومهما يكن من أمر، فقد استقبل المسلمون هذه المشكلة دون حل، واستقبلها الحاكمون بكثير من العناء، فعليهم أنْ يجدوا ويوجدوا مَن يفتي بين الناس، وكان إيجاد البديل عن قيادة الأئمة المعصومين(ص) متعثرًا، يقع في إشكاليات معقدة حينًا، ويتعرض لشطحات الأهواء حينًا آخر، فكثر الأخذ والرد بلا طائل، وقام الخلاف على قدم وساق، ومُني المسلمون بخسارة كبرى في تلقي معالم الدين.
ومع كلّ هذا العمل المتواصل الذي قام به أبو جعفر المنصور، فما استطاع أنْ يمحو ذكر أهل البيت(ص)، ولا تمكن من القضاء على الفكر الإمامي، إذ استطاع الإمام جعفر الصادق(ع) أنْ يتبنى ما أسسه أبوه الإمام محمد الباقر(ع) من ترسيخ قواعد مدرسة أهل البيت(ص) الكبرى، وأنْ ينشر مبادئ الشريعة الغراء على الرغم من تلك الإفرازات السامة، وبذلك أُعيدت للإسلام نضارته، وازدهرت آراؤه.
وقد أعدَّ الأئمة(ص) فيما بعدُ قادةَ الفكر الإمامي؛ من الفقهاء وأساطين العلماء وجهابذة الفن، بجهود مكثفة عنيت بتدوين الأحاديث ولَـمّ شتاتها، وجمع ما تفرَّق منها، وقد انبثقت عن ذلك حركة الاجتهاد بين الفقهاء وفق ما أصَّله الإمامان الباقر والصادق(ع) فيما ورد عنهما: «إنَّا علينا أنْ نلقي إليكم الأصول، وعليكم أنْ تفرّعوا»، وما جاء عن الإمام الرضا(ع) بقوله: «علينا الأصول، وعليكم الفروع».
وبناءً على هذا التوجيه الضخم، نهض الفقهاء بأداء الوظيفة الشرعية وعملوا مخلصين على إبراز فقه آل محمد(ص) مبوَّبًا مبرمجًا في ظلّ علم الحديث، وقد رفد الإمام الحسن العسكري(ع) هذه المبادرة الخيرة، وأعلن تأييد ه للفقهاء والأخذ عنهم، وأمر أولياءه بالرجوع إلى فتاواهم، وتقليدهم في الفروع قائلًا: «فأمّا ما كان من الفقهاء صائنًا لنفسه، حافـظًا لدينه، مخالفًا لهواه، مطيعًا لأمر مولاه، فللعوام أنْ يقلدوه».
وهنا الإمام(ع) اعطى خصائص الفقيه الذي يرجع إليه في التقليد، فهو ذو صفات أربع: صيانة النفس، حفظ الدين، مخالفة الهوى، إطاعة أمر المولى.
وبهذا يكون الإمام الحسن العسكري(ع) قد ثبَّت قواعد الإمامية بالرجوع إلى الإمام بعد الغيبة، وأجزل القول في صفة الفقيه المقلَّد ثقة وعدالة، وبذلك يكون الإمام الحسن العسكري(ع)قد خرج من عهدة مسؤوليته الشرعية بعد وفاته وغيبة ولده المهدي(عج) بمهمتين:
الأولى: نيابة الوكلاء، وقد امر بالرجوع لهم للوثاقة المطلقة التي أولاها إياهم، وكان(ع) يرجع أولياءه إليهم، كما عن أحمد بن اسحاق عن الإمام الحسن العسكري(ع) في شأن عثمان بن سعيد رضي الله عنه وولده محمد قال، قال الإمام (العمري وابنه ثقتان، فما أديَّا فعنِّي يؤديان، وما قالا فعنِّي يقولان، فاسمع لهما وأطعهما فإنهما الثقتان المأمونان).
الثانية: مرجعية الفقهاء واخذها الطابع النهائي والصيغة القطعية بما لا يقبل الرد أو الجدل كما رأيت.
وكان الإمام جعفر بن محمد الصادق(ع) قد أرسى أصول المبدأ، فوجَّه الإمامية بقوله: (ينظر من كان منكم فمن روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف احكامنا، فليرضوا به حكماً، فاني قد جعلته عليكم حاكماً، فاذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه، فإنما استخفَّ بحكم الله، وعلينا ردّ، والراد علينا راد على الله، وهو بحدّ الشرك).
ولم ينحرف أولياء أهل البيت(ص) منذ وفاة السفير الرابع علي بن محمد السمري (ت٣٢٩هـ) وابتداء الغيبة الكبرى، وإلى اليوم عن هذا المبدأ، فقد رجع الناس إلى الفقهاء لإكمال المسيرة، وقد واصل فقهاء اهل البيت استنباط الاحكام الفرعية في ضوء عملية الاجتهاد، وانتصب المذهب شامخاً متحدياً العصور والاجيال بالمنهج الاجتهادي في ضوء الكتاب والسنة والاجماع والعقل.
وقد كان التدريب الاجتهادي المنظم من مهمات الشيخ الاكبر المؤسس محمد بن محمد بن النعمان العكبري الكاظمي البغدادي المعروف بالشيخ المفيد(قد) (ت ٤١٣هـ) وقد عزز هذا المبدأ على يد تلميذه علم الهدى السيد المرتضى(قد) (ت ٤٣٦هـ) وقد اثمر يانعاً على يد تلميذهما ابي جعفر محمد بن الحسن الطوسي(قد) (ت ٤٦٠هـ) فألَّف كتابه العظيم (المبسوط) في الفقه الإمامي، وجمع فيه الفروع في كل باب وفصل ومبحث، وافتى في ذلك كله، فانتقل بهذا العلم الجليل من حياة النص الى حياة الافتاء، ومن مناخ الرواية الى مناخ الاستنباط في نحو ثلاثين انتظمت مرتبة ابواب الفقه، وهي عملية متطورة كبرى، وبداية حضارية كتب لها التوفيق والسداد، ولا نغالي إذا قلنا: إنّ من جاء بعده من الفقهاء الاعاظم قد نسج على منواله، وسلك سبيل اجتهاده، ولذا عبر عنه بشيخ الطائفة، لابتكاره المنهج الموضوعي في طرح كبريات المسائل.
وهكذا كانت المرجعية الدينية العليا تؤدي مهمتها بأمانة وإخلاص، ولم تتحكم في ترشيحها وتعيين المرجع الاعلى العوامل السياسية وإرادة السلطان، ولم تتفاعل مع الحكومات الزمنية بايحاء أو توجيه، وانما تتحقق مرجعية الأعلم والأمثل تلقائياً، ومن قبل اهل الخبرة العلمية، ويكون لاهل الخبرة القرار النهائي في الترشيح، وتتلقى الأمَّة هذا القرار بالرضا والغبطة والقبول، ولم يتفق ولو لمرة واحدة أنْ نجح اعداء الفكر الامامي أو طواغيت السياسة أو يفرضوا مرجعاً واحداً خلال أحد عشر قرناً من الزمان، وبقي هذا الكيان ثابتاً مستقراً لا يتغير ولا يتحول ولا يستغل
المصدر: صحيفة صدى المهدي(عج) الشهرية التابعة لمركز الدراسات التخصصية في الامام المهدي(عج) العدد:79