printlogo


printlogo


اقتباسات
التربية: تنمية الفطرة لا صناعة الإنسان

التربية، في جوهرها، تختلف عن الصناعة اختلافًا أساسيًا، ومن هذا الاختلاف يمكن للإنسان أن يدرك الاتجاه الصحيح للتربية. فالصناعة تعني «الصُّنع»، أي إخضاع شيءٍ أو أشياءَ لعمليات من التنقية والزخرفة، وإقامة علاقات بين الأشياء أو بين قواها، وإجراء عمليات قطع ووصل وفق الغاية التي يريدها الإنسان، ثم يصبح ذلك الشيء مصنوعًا من مصنوعات الإنسان. فمثلًا، إذا صنعنا من الذهب خاتمًا أو حُليًّا أخرى، نقوم بتشكيله وصقله، ونعطيه هيئةً خاصة، فيغدو منتجًا صناعيًا لنا. أما التربية فتعني «التنشئة والإنماء»، أي إخراج الاستعدادات الداخلية الكامنة في الشيء من القوة إلى الفعل، وتنميتها ورعايتها. ولهذا، فإن مفهوم التربية لا يصدق إلا على الكائنات الحية، من نباتٍ وحيوانٍ وإنسان. وإذا استُخدم هذا اللفظ في غير الحيّ، فإنما يُستعمل مجازًا لا حقيقة؛ إذ لا يمكن، بالمعنى الواقعي، تربية حجرٍ أو معدن كما تُربّى نبتة أو حيوان أو إنسان. فالتربية هنا تعني تفجير الطاقات الكامنة والاستعدادات الداخلية، وهذا لا يتحقق إلا في الموجودات الحية.
ومن هنا يتضح أن التربية يجب أن تكون تابعة للفطرة، أي منسجمة مع طبيعة الشيء وسجيته. فإذا أُريد لشيءٍ أن يزدهر وينمو، فلا بد من السعي إلى إبراز الاستعدادات الموجودة فيه أصلًا. أما الاستعداد الذي لا وجود له، فمن البديهي أنه لا يمكن تنميته أو إظهاره؛ لأن ما لا وجود له لا يمكن تربيته. فمثلًا، لا يوجد في الدجاج استعداد للتعلّم والدراسة، ولذلك لا يمكن تعليم دجاجةٍ الرياضيات أو تدريبها على حل مسائل الحساب والهندسة. فالاستعداد المعدوم لا يمكن إبرازه. ومن هذا المنطلق نفسه يتضح أن الخوف والترهيب والتهديد ليست عوامل تربية للإنسان (بالمعنى الحقيقي للتربية، أي التنشئة والإنماء). فلا يمكن تنمية استعدادات أي إنسان عن طريق التخويف أو الضرب أو القسر والتهديد، كما لا يمكن إجبار برعم الزهرة على أن يتفتح بالقوة، كأن نشدّه ليصير زهرة، أو نغرس شتلةً في الأرض ثم نمسكها بأيدينا ونشدّها قسرًا كي تنمو. فالنمو لا يتحقق بالشدّ ولا بالإكراه، والقوة هنا لا تجدي نفعًا. إنما تنمو النبتة بالطرق الطبيعية التي تحتاج إليها: من تربةٍ مناسبة، وماء، وهواء، وضوء، وحرارة. يجب أن نوفّر لها ما تحتاجه، بلطفٍ ورفقٍ ومرونة، أي من الطريق الذي ينسجم مع طبيعتها، حتى تنمو وتزدهر. أما محاولة إنمائها بالقوة فلن تؤدي إلى نتيجة. وكذلك في تربية الإنسان، فإن الخوف والترهيب ليسا وسيلتين حقيقيتين للإنماء والتربية.
المصدر: الشیخ مرتضی مطهري، "تعلیم و تربیت در اسلام"، ص 56-58