في الخطاب الأخير للقائد الأعلى للثورة الإسلامية إلى المؤتمر السنوي لاتحاد الجمعيات الإسلامية للطلاب في أوروبا، تم تقديم "النظام العادل الوطني والدولي الإسلامي" بوصفه الحاجة المهمة للعالم اليوم. يحتل هذا المفهوم مركز الصدارة في الخطاب الاستراتيجي للجمهورية الإسلامية الإيرانية، ويتطلب فحصاً دقيقاً لأُسُسه، وتمييزاته، وتداعياته العملية.
١. الأسس النظرية: من العدالة بوصفها مفقود الفطرة البشرية إلى نقد النظام الهيمني
مسألة النظام العادل هي مسألة هيكلية وعميقة الجذور في تاريخ الفكر السياسي. منذ عقد الستينيات من القرن العشرين وما بعده، اتجه مسار التنظير النقدي في العلاقات الدولية، ذو الأصول النيو-ماركسية، إلى نقد هياكل الهيمنة القائمة. في هذا الإطار، تُعتبر العدالة بوصفها مُسلَّمة فطرية وأزلية، تستلزم التحرير والخروج من قيود النظام الهيكلي السائد؛ وهو نظام يسعى نحو التوحيد، والدمج، والتوسع الهيمني. يمكن اعتبار الثورة الإسلامية الإيرانية وفكر الإمام الخميني (قدس سره) تجسيداً عملياً لهذا النقد والسعي نحو العدالة، والذي أعلن رفض الخضوع للنظام الظالم (سواء على الصعيد الوطني أو الدولي)، وأوجد موجة من المطالبة بالاستقلال ورفض الهيمنة على الساحة العالمية.
٢. التمييز الجوهري: نقد النموذج المادي للاستكبار
يتم تعريف النظام العادل المنشود في تعارض جوهري مع النظام الليبرالي السائد بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية. تُعتبر الولايات المتحدة الأمريكية النموذج الأكمل للاستكبار، وذلك من خلال امتلاكها لشبكة واسعة من القواعد العسكرية (٨٧٧ موقعاً)، وإنفاقها ما يقارب أربعين بالمئة من الميزانية العسكرية العالمية (تتجاوز ٩٠٠ مليار دولار سنوياً)، وفرضها للدولار غير المدعوم بوصفه أداة لتصدير التضخم، كما أنها تسعى لإخضاع الحكومات وإقامة علاقات قائمة على العبودية. تُعبِّر مصطلحات مثل "التخصيب الصفري" كشرط للمفاوضات عن منطق الهيمنة السائد. ومع ذلك، ووفقاً لتحليلات الواقعية الغربية أيضاً، فإن هذه الهيمنة تشهد انحداراً واضحاً، وظهور قوى مثل الصين يحد من مجال تنفسها. يعيش العالم في فترة مضطربة للغاية وفي مرحلة انتقال من نظام ١٩٤٥ (الذي فقد وظيفته) إلى نظام جديد لم يتشكل بعد.
٣. التداعيات العملية: تجربة الحرب ذات الاثني عشر يوماً كنموذج للصراع الخطابي
يحمل هزيمة الهجوم الضخم للجيش الأمريكي وحلفائه في المنطقة، والذي كان نتيجة – وفقاً لتعبير القائد – للإبداع والشجاعة والتضحية من قبل الشباب الإيراني المسلم، رسالة واضحة. يظهر تحليل حادثة الحرب ذات الاثني عشر يوماً أن الإرادة الوطنية والقوة الذاتية للعلماء الملتزمين والمؤمنين الإيرانيين، استطاعت أن توجّه صدمة للنظام الدولي. يتم رسم هذا النجاح في خطاب القائد ضمن إطار ثنائي جبهوي: "جبهتنا" بعناصرها من الإيمان، والوحدة، والثقة بالنفس، والإبداع، والتضحية، في مواجهة "جبهة المستكبرين" الفاسدة، والظالمة، والمتسلطة. يعتمد الانتصار في هذا الصراع ليس فقط على سلاح العلم، بل أيضاً على امتزاج العلم بالإيمان وجهاد الشباب الغيور.
٤. عمق الخلاف: من القضية التقنية إلى الصراع الحضاري
يشير التأكيد على أن جذور العداء تتجاوز قضايا مثل الملف النووي إلى تحليل مستويات مختلفة من الصراع:
- المستوى المرئي: العقوبات والقضايا التقنية، التي ليست سوى المظهر الخارجي للأزمة.
- مستوى الخطاب: صراع خطاب الإسلام السياسي الشيعي الاجتهادي والعقلاني مع خطاب النظام الليبرالي.
- المستوى الجوهري (الأسطوري): التعارض في الأنثروبولوجيا والأنطولوجيا؛ النظرة التي ترى الإنسان كائنًا إلهياً في مواجهة النظرة التي تراه مجرد أداة للإنتاج.
إن رفع مستوى الخلاف من قضية تقنية إلى "صراع حضاري" يتطابق تماماً مع الكلام التاريخي للإمام الخميني (قدس سره) الذي قال: "حربنا اليوم ليست حرباً ضد القوى العظمى الشرقية والغربية... حربنا هي حرب مذهبنا... هذه الحرب لا تعترف بالسلاح... إنها حرب حضارية." البقاء والانتصار في هذا الصراع الحضاري طويل الأمد مرهون بالالتزام بمبادئ مثل الصبر والاستعداد الدائم.
خاتمة
يقدم خطاب "النظام العادل الإسلامي" إطاراً تحليلياً شاملاً يتم من خلاله فهم أفعال وتعارضات الجمهورية الإسلامية الإيرانية على الساحة الداخلية والدولية. هذا الخطاب، من خلال نقده الجذري للنظام الهيمني القائم وطرح بديل قائم على العدالة، هو في الوقت نفسه مصدر شرعية لسياسة "المقاومة" وأداة لتعبئة الأنصار وبناء الهوية الجماعية. إن فهم هذا الخطاب أمر ضروري لتحليل الاستراتيجية الكبرى لإيران في النظام الدولي، وكذلك لفهم عمق الخلافات مع الغرب.
الكاتب:
محمد محمودي كيا
كاتب وباحث سياسي من إيران.
عضو الهيئة الأكاديمية لمعهد الإمام الخميني (رض) والثورة الإسلامية.