printlogo


printlogo


مصطلح الأسبوع
"مصطلح الكراهة في رسائل علمائنا الأبرار وأبعاده التربوية"

 الشيخ حسين التميمي
العتبة العباسیة المقدسة
تُعدّ الكراهة من الأحكام التكليفية التي وردت بوضوح في رسائل علمائنا الفقهية، وهي تعبير فقهي دقيق عن موقف الشريعة من بعض الأفعال التي لا تبلغ حدّ الحرمة، لكنها في الوقت نفسه لا تنسجم مع روح الكمال الأخلاقي والسلوكي الذي تسعى إليه الشريعة الإسلامية. فعندما يذكر المرجع أو المجتهد أن الفعل مكروه، فإن ذلك يعني أن تركه راجح شرعاً، وأن فعله لا يوجب العقاب، لكنه يفوّت على المكلف درجة من القرب والثواب، ويحرمه من كمال مطلوب في السلوك الديني.
ومن الناحية العلمية، تقوم الكراهة على وجود دليل معتبر يدل على عدم محبوبيّة الفعل عند الشارع، من دون أن يصل هذا الدليل إلى مرتبة النهي الإلزامي. ولذلك فهي تقع في منزلة وسطى بين الإباحة والحرمة، وتعكس دقة المنهج الفقهي في تصنيف الأفعال بحسب آثارها الروحية والاجتماعية. ويؤكد الفقهاء في رسائلهم العملية على هذا الحكم لتربية المكلف على الوعي بأن الدين لا يقتصر على الحلال والحرام فقط، بل يشمل مراتب أوسع من السلوك القيمي.
وأما من حيث السلبية، فإن الإكثار من ارتكاب المكروهات يترك أثراً تدريجياً على نفس المكلف، إذ يُضعف حسّ المراقبة والالتزام، وقد يفتح الطريق إلى التساهل في المحرمات مع مرور الزمن. فالمكروه وإن لم يكن محرّماً، إلا أن الاعتياد عليه يرسّخ حالة من الفتور الروحي، ويقلّل من صفاء العلاقة مع الله تعالى، وهو ما نبه إليه الفقهاء ضمناً من خلال التأكيد على استحباب ترك المكروه.
وتبرز مسألة قلّة الثواب بوضوح في هذا الباب، إذ إن فعل المكروه لا يُعدّ طاعة، ولا يترتب عليه أجر خاص، بينما تركه يُثاب عليه المكلف بنيّة القرب والامتثال. فالمكلف الذي يراعي اجتناب المكروهات يرفع من مستوى عبادته، ويكسب بعداً أخلاقياً إضافياً في التزامه الديني. ومن هنا تظهر أهمية الكراهة في الرسائل الفقهية، فهي ليست حكماً هامشياً، بل أداة تربوية تهدف إلى تهذيب السلوك، وتنمية الوعي الديني، ودفع المكلف نحو اختيار الأفضل لا الاكتفاء بالمسموح فقط، بما يحقق له كمال الطاعة وسموّ الالتزام الشرعي.