كثيرٌ من النساء اليوم يبحثن عن معنى حضورهنّ الحقيقي في المجتمع: هل يقتصر على البيت وتربية الأبناء، أم يتجاوز ذلك ليشمل الفكر والموقف والسياسة؟ لقد أجاب الإسلام منذ البداية بوضوح؛ إذ منح المرأة شخصيّة مستقلّة، وأهّلها لتكون شريكة في العقيدة، وصاحبة موقف في السياسة، ويشهد على ذلك مواقف نساء عظيمات مثل السيّدة الزهراء(س) في الدفاع عن الإمامة، والسيّدة زينب(س) في فضح الظلم وكشف الحقائق. فهذه النماذج التاريخية ليست مجرّد حكايات ماضية، بل رسائل حيّة للمرأة المسلمة المعاصرة لتستعيد حضورها المؤثّر في قضايا الأمّة.
للأسف، في العالم المعاصر فقدت المرأة دورها الأساسي في المؤسسات الاجتماعية جوهرها الحقيقي. ففي الثقافة الغربية، أصبحت قيمة دور المرأة أن تتحول إلى سلعة استهلاكية لتضليل العقول وتخديرها، وللسيطرة على الأسواق الاستهلاكية للدول الصناعية، وأداة للهو والتمتع. وفي بعض الدول والأنظمة السياسية في العالم الإسلامي أيضًا، بسبب الجهل بنظرة القرآن إلى دور المرأة في المؤسسات الاجتماعية والسياسية والثقافية، وبسبب وجود أفكار متخلفة ورجعية في تفسير الدين وفهمه بشكل خاطئ، لم تتمكن المرأة من أداء دورها الأصيل ورسالتها في المجتمع.
ومن وجهة نظر القرآن، يمكن للنساء أن يقمن بدور مثل الرجال في مختلف الميادين الاجتماعية. وفي هذا القسم من البحث نريد أن نبيّن رؤية القرآن حول الدور التاريخي للمرأة في المجالات العقائدية والسياسية.
في المجال الإيماني والعقائدي
يذكر القرآن الكريم أول حضور للمرأة في الساحات الإيمانية والعقائدية في عصر رسالة الرسول الأكرم(ص). فقد أعلنت النساء حضورهن العقائدي من خلال البيعة مع النبي.
كانت البيعة في العقبة الأولى، حين كان المسلمون يتعرضون لضغوط شديدة وآذى من الكفار والمخالفين. في تلك الظروف جاء بعض من أهل يثرب إلى النبي(ص) ، وبعد أن تعرّفوا على الإسلام، تعهدوا أن يدافعوا عن رسول الله الذي كان آنذاك مهددًا من قِبل المشركين. وكانت في هذه البيعة امرأة تُدعى عَفْراء بنت عُبيد بن ثعلبة. وكان حضورها في تلك البيعة في عصرٍ حُرمت فيه المرأة من أبسط حقوقها الفردية والاجتماعية أمرًا مثيرًا للعجب.
وقد قال الله تعالى في هذا الشأن: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ ).
وفي السنة التالية، أعلن خمسة وسبعون من المسلمين استعدادهم لطاعة النبي(ص) ، وهو ما عُرف ببيعة العقبة الثانية. وقد شاركت في هذه البيعة أيضًا عدة نساء، وهن: نسيبة بنت حارث الأنصارية وأختها أم منيع، وأسماء بنت عمرو بن عدي، ونسيبة بنت كعب من بني خزرج.
وفي صدر الإسلام، كانت هناك نساء كثيرات لهن مواقف بارزة في المجال العقائدي، حتى وإن كنّ كافرات؛ مثل ابنة الوليد بن المغيرة، زوجة صفوان بن أمية، وأم حكيم بنت الحارث بن هشام، زوجة عكرمة بن أبي جهل.
ومن أوائل المسلمات سودة، التي أسلمت مع زوجها في أيام الخوف والتعذيب، وهاجرت بأمر النبي(ص) إلى الحبشة. وبعد عودتها تحملت ألم استشهاد زوجها، ثم تزوجها النبي(ص).
ورملة مثال آخر للنساء السابقات في الإيمان. فرملة بنت أبي سفيان أسلمت في قلب دار الشرك، وتركت أباها في قمة سلطانه ومجده، وهاجرت مع باقي المسلمين إلى الحبشة. وهناك فقدت زوجها، لكنها واصلت جهادها إلى أن تزوجها النبي(ص) من هناك.
وجويرية امرأة أخرى بدأت جهادها في سبيل الإسلام إلى جانب رسول الله(ص). أما صمود سمية وثباتها في سبيل إيمانها فكان عظيمًا، حيث لم تخضع لمطالب المشركين حتى آخر لحظة، وبقيت كالجبل الراسخ في وجه التعذيب والاضطهاد حتى استُشهدت.
في المجال السياسي
لقد أعطى الإسلام للمرأة مكانة خاصة في المجال السياسي، وشجّع على حضورها فيه مع الحفاظ على وقارها وكرامتها الإنسانية.
ومن مظاهر هذا الحضور ما يلي:
حق المشاركة السياسية
في الإسلام، للنساء حق التصويت؛ أي لهن حق الانتخاب وحق الترشح أيضًا.
والآيات التي تتحدث عن بيعة النساء مع الرسول الأكرم(ص) في القرآن، دليل واضح على حضورهن الفعّال والإيجابي في الميادين السياسية في عصر الرسالة. فالنساء من خلال البيعة أعلنَّ مشاركتهن السياسية والاجتماعية المستمدة من التعاليم الدينية. وبيعة العقبة الأولى، والعقبة الثانية، ثم بيعة النساء في المدينة خير شاهد على ذلك.
وقد قال الله تعالى في هذا المجال: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ ).
المشورة الحكيمة
لقد مدح القرآن المشورة في الأمور وأكّد عليها، إذ قال تعالى: ( وَ شَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ).
( وَ أَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُم ).
وقد وردت روايات كثيرة في أهمية المشورة. فقد قال الإمام الصادق(ع): « إن من وصايا رسول الله(ص) للإمام علي(ع) قوله: لا مُظاهَرَةَ أوْتَقُ مِنَ الْمُشاوَرَةِ وَ لا عَقْلَ كَالتَذْبيرِ.
المشورة في كل أمر مهم، خصوصًا في الأمور السياسية، ذات أثر بالغ، فهي تمنع السياسي من الوقوع في الأخطاء. وتدبير الأمور ليس خاصًا بالرجال، بل تستطيع النساء أيضًا أن يكنّ فاعلات في مختلف المجالات الاجتماعية، ومنها مجال السياسة.
وقد عرض القرآن هذا الدور من خلال قصة بلقيس، ملكة سبأ. فبلقيس كانت امرأة سياسية، تدير شؤون مملكتها بالمشورة مع أهل الرأي والعقل. فعندما وصلها كتاب سليمان النبي، لم تتخذ قرارًا متسرعًا، بل جمعت رؤساء قومها وقالت: (قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ ).
بلقيس عرضت على مستشاريها مضمون الرسالة، والطائر الذي حملها، ووصفت الكتاب بأنه كريم ومقدس، وذلك لسببين: الأول أن نصه ابتدأ باسم الله الموصوف بالرحمة والرحمنية، والثاني لأن مرسله نبي مؤيّد بعزّة مادية ومعنوية.
تدبير بلقيس
لقد بيّن القرآن في هذه القصة تدبير بلقيس، وأيّد سياستها الحكيمة ومنهجها العقلاني الذي ارتبط بالمشورة. أمّا القادة العسكريون فقد انخدعوا بقوتهم وظنوا أن الحرب هي الحل، كما هي عادة الساسة المتعطشين للقوة عبر التاريخ. فقد قال مستشاروها: ( قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ ).
لكن بلقيس أظهرت حكمتها وبعد نظرها، فقالت: ( قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ ).
وكان هدفها من ذلك أن تختبر سليمان، لتعرف هل غايته التوسع والمال والسلطة، أم أنه نبي جاء برسالة التوحيد والدعوة إلى الله. فأرسلت إليه هدايا ثمينة مع وفد من قومها، لكن سليمان أعاد الهدايا وطلب منها الخضوع لحكم الله. وعندها أدركت بلقيس بفطنتها أنه نبي إلهي، فأسلمت وخضعت للحق.
دور أم سلمة في الإعلام السياسي
ومن النساء اللواتي حضرن في التاريخ الإسلامي في المجال السياسي: أم سلمة، زوجة رسول الله(ص). كانت امرأة صالحة مؤمنة، ذات محبة خاصة للإمام علي(ع). فعندما أرادت عائشة أن تثير حرب الجمل بذريعة المطالبة بدم عثمان، نصحتها أم سلمة كثيرًا وحذرتها من الوقوف ضد الإمام علي(ع)، وقالت لها: نصحتك فلم تسمعي، وأنا أعلم حقيقة موقفك من عثمان؛ فأنتِ لو طلب منك ماءً لما أعطيته، واليوم تذرفين دموع التماسيح على مظلوميته! إنما غايتك إثارة الناس ضد أفضلهم. فاتقي الله ولا تعرّضي نفسك لغضبه... لقد بذلت جهدي لنصحك، لكن بلا فائدة. أخشى عليك الهلاك، والله سينصر عليًا ويخذلك، وسيتضح لك صدق كلامي قريبًا. وبعد أن يئست من إقناعها، كتبت أم سلمة رسالة من مكة إلى الإمام علي(ع) جاء فيها:
طلحة والزبير وأتباعهم يريدون أن يأخذوا عائشة إلى البصرة، وعبد الله بن عامر معهم. يدّعون أن عثمان قُتل مظلومًا، وأنهم يطلبون دمه. والله سيكفيك شرّهم. ولو لا أن الله نهانا عن الخروج والقتال، لكنت خرجت معك، ولنصرتك بيدي. لكني أرسلت إليك ابني عمر، فخذ بيده ووجّهه إلى طريق الخير.
أهم نشاطات أم سلمة في حياتها، والتي تشكل درسًا لحضور المرأة في مختلف المجالات الاجتماعية، هي:
إسلامها في السنوات الأولى من الدعوة.
صبرها على استشهاد زوجها في معركة أُحد.
رعايتها لأولادها الأيتام.
مشاورتها للنبي(ص) في صلح الحديبية وإدخال الطمأنينة عليه.
نصيحتها لعائشة لثنيها عن إثارة فتنة الجمل.
إظهار مكانة علي وفاطمة عليهما السلامأمام الجميع.
دور السيّدة فاطمة(س) في المجال السياسي
السيّدة فاطمة(س) هي المرأة النموذج والأسوة لنساء العالمين. وقد ذكرها القرآن بعنوان الخير الكثير في قوله تعالى: ( إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ ).
والخير الكثير له مصاديق عديدة، ومن أبرزها أن تكون فاطمة(س) القدوة الكاملة والحيّة على مرّ العصور، للنساء والرجال معًا، في مختلف مجالات الحياة، ومنها المجال السياسي.
وقد قال رسول الله(ص) في حقها: « ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة أو نساء أمتي ».
إن حضورها السياسي في قضية فدك يمثّل مظهرًا من مظاهر وعيها وشعورها بالمسؤولية تجاه الانحرافات التي وقعت في النظام السياسي آنذاك. فقد دافعت(س) منذ طفولتها إلى زواجها، ومن زواجها إلى شهادتها، عن فكر النبي(ص) وعقيدته ونهجه، وكذلك عن خطّ الإمام علي(ع).
دور السيّدة زينب(س) في المجال السياسي
أمّا السيّدة زينب(س)، التي هي الامتداد لذلك الخير الكثير فاطمة(س)، فقد تجلّى دورها السياسي في واقعة كربلاء، من خلال مرافقتها لأخيها الإمام الحسين(ع) وتحملها مسؤولية قيادة قافلة السبايا بعد استشهاده. لقد أظهرت(س) حضورها السياسي الفعّال في التغييرات الاجتماعية، حيث واصلت جهادها رغم ما واجهته من محن ومصائب عظيمة، ولم تتوقف عن أداء رسالتها في حفظ دماء الشهداء.
وقد تجلّى ذلك في خطبها الحماسية خلال مراحل الأسر، وفضحها لسلطة يزيد، وتوضيحها للأهداف السامية لثورة أخيها ضد الحكم الظالم والغاصب، وإثارتها روح الثورة والانتفاض في نفوس الشيعة ضد بني أمية. كل هذه المواقف تشهد على دورها الريادي في الساحة السياسية.
النتيجة
يتبيّن من النصوص القرآنيّة والسيرة النبويّة وأهل البيت عليهم السلام أنّ المرأة ليست عنصراً ثانوياً، بل هي ركيزة عقائديّة وصوت سياسيّ أصيل. فهي المؤمنة التي تبايع وتلتزم، وهي المفكّرة التي تساهم في صناعة الوعي، وهي الثابتة التي تواجه الانحراف والظلم. بهذا المنظور، يعود للمرأة دورها الرساليّ الذي تحتاجه الأمّة اليوم، لتبني جيلاً واعياً ومجتمعاً متماسكاً.
المصدر: شبکة رافد للتنمیة الثقافیة