يحلّل هذا المقال أسباب عزوف غير المتدينين، ويقترح أساليب علمية ونفسية واجتماعية لاستقطابهم، مستنيرًا بالقرآن وسيرة القادة والشهداء والنماذج المعاصرة.
مقدمة: فهم الإشكالية والحاجة للاستقطاب
يشهد العالم الإسلامي تباينًا متزايدًا في درجات التديّن؛ فهناك شريحة واسعة ممن يُعرِّفون أنفسهم بأنهم “غير متدينين” أو بعيدون عن الأجواء الدينية. هؤلاء قد يكونون مسلمين بالهوية لكنهم غير ملتزمين بالشعائر، أو ربما لادينيين تمامًا. إن استقطاب غير المتدينين وردّهم إلى دائرة الاهتمام بالدين وقيمه يُعَدّ تحدّيًا تبليغيًا وثقافيًا ملحًا. فنجاح الخطاب الديني لا يُقاس فقط بعدد المتدينين التقليديين المتابعين له، بل بقدرته على جذب واستمالة من يقفون على الهامش أو يتجنبون المشاركة في الأنشطة الدينية. في هذا المقال التفصيلي، سنناقش أدوار مختلف الفئات في هذه المهمة، ونستعرض أساليب علمية وعملية مقترحة، مستنيرين بتوجيهات القرآن الكريم وروايات أهل البيت عليهم السلام، وتحليل الأسباب النفسية والاجتماعية لعزوف غير المتدينين، مع الاستشهاد بنماذج معاصرة وتاريخية ناجحة في هذا المجال.
التحليل النفسي لظاهرة العزوف: لماذا يكتفي غير المتدين بعالمه الخاص؟
لفهم كيفية مخاطبة غير المتدينين، علينا أن نتساءل: كيف يفكر الشخص غير المتدين؟ ولماذا يبدو مكتفيًا بعالمه الخاص من ترفيه ومشاهير وكوميديا؟ هناك عدة عوامل نفسية واجتماعية تفسر ذلك:
الإشباع البديل (Substitute Gratification): يجد كثير من الشباب في الترفيه اليومي (أفلام، ألعاب فيديو، متابعة المشاهير عبر السوشيال ميديا) إشباعًا عاطفيًا وفكريًا فوريًا يغنيه – في نظره الحالي – عن البحث الوجودي العميق أو الالتزام بشعائر تحمل تكاليف. فهذه المواد الترفيهية مصممة لتكون ممتعة جدًا ومغرية (Highly Stimulating)، فتخطف اهتمامه وترفع عتبة استمتاعه؛ فتصير العبادات والمحاضرات الروحية أمامها باهتة بنظره. إنها حالة إدمان على الترفيه تجعل الدين يبدو جافًا. هذا التفسير يعني أننا نتعامل أحيانًا مع حالة شبيهة بالإدمان أو صرف الانتباه، مما يتطلب تدرّجًا وصبرًا لإعادة برمجة ذائقته الروحية ليتذوق حلاوة أمور أعمق.
تأجيل التساؤلات الوجودية (Deferring Existential Questions): كثير من الناس – خاصة الشباب – يتهربون من التفكير في الأسئلة الكبرى (ما الحياة؟ ماذا بعد الموت؟) لأنها مقلقة وتثير الرهبة. فينشغلون بالسطحيات اليومية هروبًا من القلق الوجودي (Existential Anxiety). اللافت أن معظم من يلحدون أو يبتعدون عن الدين لا يفعلون ذلك بعد بحث عميق، بل بعد انغماس سطحي في ملذات الحياة كنوع من التشتيت. لذا، يكتفي غير المتدين “بعالمه الخاص” لأن الخوض في معنى الدين قد يربكه أو يشعره بالذنب الذي يفضّل تجنبه. مهمة المبلغ هنا إيقاظ دفعة من التساؤل الهادئ بدون تهويل، مثلاً: عبر قصة أو موقف يذكره بفناء الدنيا بشكل غير مباشر، كي يبدأ يفكر تدريجيًا دون أن يشعر أننا “نضغطه” نحو هذا التفكير.
التأثر بالبيئة والمحيط: إذا نشأ الفرد في بيئة تعطي أولوية قصوى للمادة والمظاهر (مجتمع استهلاكي مثلًا)، أو وسط عائلة وأصدقاء لا يعيرون للدين وزنًا، سيتبرمج عقله الباطن على أن الدين هامشي. الهويةُ الاجتماعية قويةُ التأثير؛ غير المتدين قد يتمسك بعالمَي المشاهير والترفيه لأنه يعطيه هوية عصرية في نظر أقرانه. لذا، فهمه يفكر: “لماذا أتعب نفسي بأمور الدين التي لا يهتم بها محيطي وقد تخرجني من جماعتهم؟”. هذا يشرح جانبًا من اللامبالاة: إنه ولاء للهويّة الجمعية. العلاج يكون بتوسيع تلك الهوية لتشمل بعدًا روحيًا دون أن تصطدم كليًا مع انتمائه الحالي، أي إقناعه أنه يمكن أن يكون “عصريًا وروحانيًا” في آن، وأن الالتزام القيمي يزيده احترامًا ولا ينتقص من اندماجه الاجتماعي.
انعدام الثقة أو الصورة السلبية عن المتدينين: البعض يحمل في ذهنه صورًا نمطية سلبية عن “المتدين” – ربما بسبب تجربة شخصية (كأن يكون تعرّض لتعنيف أو رؤية نفاق ديني). هذا يجعله ينفر تلقائيًا من أي خطاب ديني ظنًا منه أنه سيحمل نفس السمات السلبية. بالتالي، هو يقي نفسه من الأذى النفسي المحتمل بالابتعاد كليةً. من هنا يتضح واجبنا في تصحيح تلك الصورة النمطية عبر سلوكيات معاكسة لما خبره؛ إذا كان تصوره أن المتدين متشدد أو كئيب، فلنريه المتدين المرح المتزن. وإذا كان يظنهم منافقين، فلنكن شديدي الصدق والشفافية معه. بمرور الوقت سيُشفى من “عقدة النفور” هذه.
البحث عن الحرية والاستقلالية: مرحلة الشباب خاصة تتميز برغبة عارمة في الحرية وكسر القيود. قد ينظر الشاب إلى الدين على أنه مجموعة أوامر ونواهٍ تقيد حريته، بينما عالمه الخاص يتيح له فعل ما يشاء دون شعور بالذنب. إنه تصوَّر أن الدين ضد الحرية الشخصية. يتطلب هذا التفهّم أن نخاطب حاجته للحرية: نوضح له أن الدين في جوهره يحرره من عبودية الشهوات والإدمانات ويمنحه كرامة وسيطرة على ذاته، بدل أن يكون مستعبدًا لإملاءات أصحاب الإعلانات والتقاليع الفارغة. وأن الالتزام يمكن أن يكون اختيارًا حرًا واعيًا لا إكراهًا اجتماعيًا. عندما يدرك أن التدين الصحيح لن يسلبه شخصيته بل سيصقلها، قد يعيد التفكير.
إجمالًا، غير المتدين يظن أنه سعيد ومكتفٍ، لكن هذه الكفاية قد تكون قشرة تخفي تحته فراغًا معنويًا أو قلقًا مكبوتًا. مهمتنا أن نوقظ فطرته بلطف، ونبيّن له أن في الدين مَعينًا لا ينضب من الطمأنينة والمعنى، يغنيه عن الركض اللاهث خلف مُتع مؤقتة. والتحليل النفسي هنا يساعدنا أن نرى الأمور من منظوره، فنخاطبه على قدر عقله وحاجاته النفسية.
أزمة ثقة أم مجرد تكاسل؟ دوافع النفور من العلماء
تثار أحيانًا مسألة: هل عزوف غير المتدينين عن متابعة العلماء والخطاب الديني ناتج عن أزمة ثقة عميقة بهم، أم هو مجرد كسل وتفضيل للراحة؟ والجواب قد يجمع الأمرين معًا:
أزمة ثقة لدى البعض: لا يمكن إنكار أن ثقةَ شريحة من الناس برجال الدين قد اهتزت لأسباب مختلفة. منها مثلاً ظهور قصص فساد أو نفاق أخلاقي لدى قلة منهم ضُخّمت إعلاميًا. كذلك، الخطاب الوعظي التقليدي الذي لا يخاطب قضايا العصر جعل البعض يرى العلماء منفصلين عن الواقع. هذه الأمور ولّدت لدى فئة – خاصة من المثقفين – شكوكًا في كفاءة العلماء وصدقهم، فصاروا لا يكترثون لما يقولون مسبقًا. بل وصل الأمر بالبعض إلى التعميم السلبي: “كل المتدينين تجار دين” مثلاً. هذه أزمة ثقة حقيقية تتطلب وقتًا وجهدًا لترميمها عبر شفافية العلماء وتجديد خطابهم وانخراطهم الميداني مع الناس. كما تتطلب من العامة الإنصاف وألا يؤاخذوا الصالح بجريرة الطالح.
التكاسل وفتور الهمة: من جهة أخرى، كثيرون غير متدينين ليس بسبب موقف ضد العلماء، بل بكل بساطة لأن الدين يحتاج مجاهدة للنفس وهؤلاء آثروا الراحة. الصلاة تحتاج استيقاظًا باكرًا أو وضوءًا وقطعًا للملهيات، الصوم فيه جوع وعطش، مجالس العلم ربما تُشعر ببعض التقصير أو تتطلب التزامًا. النفس بطبعها تميل للدعة ما لم توقظها همة عالية. فهؤلاء لو تسألهم لِمَ لا تصلون أو لا تحضرون مجلسًا دينياً، قد يبتسمون باعتذار: “بصراحة أنا كسلان”، أو “الدنيا أخذتني”. كما قال أحدهم صراحةً: «لا نحضر الجلسات الدينية لأن الدنيا شغلتنا عن الآخرة، وأنسانا الشيطان ذكر الموت وزين لنا التسويف» . هذه الحالة ليست رفضًا مبدئيًا للدين، بقدر ما هي استسلام للغفلة وطول الأمل وانغماس في مشاغل الحياة. وعلاجها بالموعظة والتذكير والترغيب بالراحة الأبدية مقابل مشقة عابرة.
أسباب أخرى شخصية: قد توجد أسباب فردية لنفور البعض: تجربة نفسية سلبية كما أسلفنا، أو فهم مغلوط لتعاليم معينة أثار عنده نفورًا (كمن ظن الدين يضطهد المرأة فابتعد نصرةً للمرأة)، أو حب المعاصي والشهوات وعدم الرغبة بالتخلي عنها. لكل من هذه علاج مختلف: فالتجربة السلبية تُعالَج بتجربة إيجابية، والفهم المغلوط يصححه الحوار العلمي الهادئ، وحب الشهوات يعالجه تنمية الإيمان تدريجيًا حتى يجد حلاوة أسمى من تلك الملذات.
إذن لا يصح التعميم أن كل العزوف سببه انعدام ثقة، ولا أنه مجرد كسل. هي خليط تتفاوت نسبه من شخص لآخر. ويتعين على المبلغين بناء الثقة بمرور الوقت – عبر الصدق والتواضع والعمل النافع – وفي الوقت نفسه تحفيز الهمم وإشعال الغيرة الإيمانية في النفوس الخاملة. كلا المسارين مهم: إصلاح الصورة الذهنية عن العلماء، وإيقاظ العزائم الخامدة في القلوب.
أعذار غير المتدينين لعدم متابعة الخطاب الديني (على لسانهم)
لتكتمل الصورة، نتخيّل سؤالًا موجهًا لشخص غير متدين: لماذا لا تتابع المتدينين على السوشيال ميديا؟ ولماذا لا تحضر البرامج الدينية؟ فيما يلي بعض الإجابات الشائعة التي وصلتني بلغتهم البسيطة، والتي تعكس ما يدور في أذهانهم:
“صراحةً المحتوى الديني مملّ ولا يجذبني”: قد يقول: لا أتابع الحسابات الدينية لأنها تكرر نفس الكلام من مواعظ ونصائح بشكل تقليدي، بينما أجد محتوى آخر أكثر تشويقًا وترفيهًا. البرامج الدينية في نظره رتيبة، والخطباء لا يجيدون مخاطبة الشباب بلغتهم. هذا نقد لأسلوب العرض أكثر منه رفضًا للرسالة، ما يعني أننا لو جدّدنا الأسلوب فربما أكسبناه.
“أشعر أنهم يُصدرون الأحكام عليّ وينتقدونني”: البعض يظن أن حضور مجلس ديني يعني أنه سيُهاجَم أو يُنتقد بسبب مظهره أو سلوكياته. يقول: المتدينون دومًا يخبرونني كم أنا خاطئ وسيء، فلماذا أضع نفسي في هذا الموقف؟ هذا نابع من تجارب حيث حصلت معايرة أو عتاب أو لوم علني لشخص غير ملتزم حضر مكانًا دينيًا. علاجه أن نخلق ثقافة ترحيب بالمقصّرين واحترام خصوصياتهم وعدم التعرض لهم بالنقد أمام الآخرين.
“لا أرى فائدة عملية مما يقولونه”: قد يعتبر أن المبلغين يتكلمون في مثاليات وأمور غيبية لا علاقة لها بمشاكله اليومية. هو منشغل بالبحث عن وظيفة، أو تحسين معيشته، أو مشاكله العاطفية… ويجد الخطاب الديني منصبًا على الحلال والحرام والآخرة دون حلول مباشرة لما يواجهه. بالتالي يهجره لظنه بعدم الفاعلية. هذا يدعونا لإعادة ربط رسائلنا بواقع الناس العملي، كأن نتحدث عن إدارة الضغوط، عن أخلاق العمل، عن العلاقات… من منظور ديني، ليشعر أمثاله أن في الدين حلولاً ملموسة.
“العلماء أنفسهم لا يطبقون ما يقولون”: هذه إجابة حادّة لكنها موجودة: يذكر أمثلة عن شيخ مشهور يدعو للزهد وهو يعيش برفاهية، أو واعظ عن الأخلاق صدر منه موقف فظ. هذه حوادث فردية لكنها تؤثر على صورة الجميع. الحل هنا ليس سهلاً إلا بتكثيف النماذج الصالحة كما أسلفنا، والاعتراف بالأخطاء عند حصولها لتبديد شعور النفاق.
“لا أحب الشعور بالذنب أو أن أُحبط نفسي”: بعضهم يعترف أنه يتجنب الأحاديث الدينية لأنها توقظ ضميره فيشعر بتأنيب الضمير على تقصيره، وهو لا يحب هذا الشعور. يفضّل البقاء في منطقة الراحة حيث لا أحد يذكّره. إنه نوع من الإنكار (Denial) للحفاظ على راحة البال الآنية. التعامل مع هذا يكون بحنكة؛ فلا نقدم الدين كله كمجموعة “محرمات” واتهامات، بل نركز على جانب الرجاء والمحبة الإلهية. نريد تغيير شعوره حيال الدين من مصدر تأنيب إلى مصدر طمأنينة.
“الدين شأن خاص بيني وبين ربّي”: هذه إجابة دبلوماسية يقولها البعض تهربًا: “أنا أؤمن بالله بطريقتي الخاصة ولا أحتاج متابعة المشايخ”. قد يكون خلفها عدم اقتناع بالحاجة لمرجعية دينية أو بمجالس الوعظ. يمكن التعامل معها بتبيين لطيف أن الاجتماع على ذكر الله له أثر آخر ليس مجرد المعرفة؛ هو يزكي الروح ويقوّي الإيمان حين نسمع ونتفاعل جماعيًا، وأنه لا تعارض بين علاقة المرء المباشرة بربه والاستفادة من علم العلماء وتجاربهم.
هذه نماذج من الأعذار والتبريرات. بعضها فيه وجاهة وانتقاد صحيح ينبغي أخذه بعين الاعتبار لإصلاح خطابنا، وبعضها نابع من سوء فهم أو تهرب نفسي يجب التعامل معه بالحكمة. المهم عندما نسمع مثل هذه الردود ألا نهاجم الشخص، بل نتحاور معه لفهم أعمق لدوافعه ثم نعالج كل شبهة أو عذر بما يناسبه. أحيانًا بمجرد أن يشعر الشاب أن رأيه مسموع وأننا نقدّر وجهة نظره (حتى لو خالفناه)، سيبدأ هو نفسه بإعادة النظر في مواقفه الدفاعية.
دور عموم الناس في الاستقطاب
قد يظن البعض أن دعوة غير المتدينين مسؤولية حصرية على عاتق العلماء والمبلغين، لكن الواقع أن جذب البعيدين عن الدين هو مسؤولية مجتمعية عامة. فكل فرد متديّن يمكن أن يكون مبلّغًا لدينه بأخلاقه وتعامله. يؤكد حديث الإمام الصادق (ع) الشهير: «كونوا دعاة لنا بغير ألسنتكم» ، على أن القدوة العملية أقوى من الخطب والمواعظ. إن سلوكيات المسلمين اليومية – في البيت والعمل والشارع – إما أن تقرّب الآخرين إلى الدين أو تنفّرهم منه. لذا يقع على عاتق عموم الناس مهمة إظهار محاسن الدين ولطف التعامل مع الجميع، لكي يشعر غير المتدين أن التدين إضافة إيجابية للحياة وليست عبئًا. كما أن شبكات العلاقات الاجتماعية (الأصدقاء، الأسرة، الزملاء) هي ميدان خصب للتأثير غير المباشر؛ فغير المتدين قد يتأثر بصديق متديّن محب أكثر مما يتأثر بخطبة واعظ لا يعرفه. وباختصار، ينبغي أن يرى غير المتدينين في المجتمع المتدين قدوةً عملية تجسد قيم الصدق والأمانة والرحمة، فتجذبهم هذه القيم تدريجيًا دون إكراه.
تتابع
المصدر: موقع مرکز البصیرة