مقدمة:
في زمنٍ تختلط فيه مفاهيم الكرامة بالقوة أو الانتماء أو المنفعة، يعيدنا الإسلام إلى السؤال الجوهري: ما قيمة الإنسان قبل أن يختار؟
القرآن لا يبدأ حديثه عن الإنسان من إيمانه أو كفره، بل من إنسانيته. قبل أن يُحاسَب، هو مكرَّم، وقبل أن يُطالَب، هو محل عناية إلهية. ومن هنا تنشأ رؤية متوازنة ترى الكرامة هبةً من الله، ومسؤوليةً على الإنسان في آنٍ واحد.
كرامة سابقة على الاختيار
حين يقول الله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء:70]، فهو يعلن تكريمًا عامًا يشمل الإنسان بما هو إنسان. هذا ما أكده العلّامة الطباطبائي في الميزان، مبيّنًا أن الآية تتحدث عن كرامة النوع الإنساني لا عن استحقاق إيماني خاص.
فالإنسان مكرّم بعقله، وإرادته، وقدرته على الفهم والاختيار، وبقابليته لأن يكون مخاطَبًا من الله. هذه كرامة ذاتية، ملازمة لوجوده، لا تزول باختلاف المعتقد أو السلوك.
الإنسان بين الأخوّة والإنسانية
في عهده لمالك الأشتر، يضع الإمام علي(ع) قاعدة أخلاقية جامعة: "الناس صنفان: إمّا أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق".
بهذا يرسّخ الإسلام أن الاختلاف العقدي لا يلغي الأصل الإنساني، وأن الكرامة لا تُسحب بسبب المخالفة، بل يُحاسَب الإنسان على اختياره دون أن تُمحى إنسانيته.
الكرامة بين المنح والاكتساب
الكرامة في الإسلام ليست مستوى واحدًا. فهناك كرامة ممنوحة بالخلق، وأخرى تُكتسب بالفعل. من حيث الوجود، الإنسان مكرَّم لأنه مخلوق لله، وكل ما فيه من شرف وكمال هو إفاضة إلهية، كما يبيّن الفخر الرازي. ومن حيث الفعل، تتحدد مكانة الإنسان بحسب استجابته للفطرة. فالإيمان انسجام مع الكرامة الذاتية، والكفر ليس نفيًا لها، بل تعطيلًا لآثارها. هنا تتجلّى عدالة التكليف: لا يُحاسَب الإنسان على ما وُهب، بل على ما اختار.
الفطرة ومسار الصعود والسقوط
خلق الله الإنسان مفطورًا على الحق: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم:30]. والحرية شرط الكرامة، لأن الكرامة بلا اختيار لا معنى لها. ولهذا وصف القرآن الإنسان بأوصاف متقابلة، تعبيرًا عن مسارين مفتوحين داخله. ويختصر الإمام الباقر(ع) هذا المعنى بقوله: "كلّ شيء يجرّه الإقرار والتسليم فهو الإيمان، وكلّ شيء يجرّه الإنكار والجحود فهو الكفر". فالصعود والسقوط ليسا قدرين مفروضين، بل نتائج لاختيارات واعية.
الخلاصة:
كرامة الإنسان في الإسلام حقيقة وجودية تبدأ من الخلق، وتُستكمل بالاختيار. الإنسان مكرّم قبل أن يؤمن، ومسؤول بعد أن يختار. الإيمان يحرّر الكرامة، والكفر يحجب آثارها، دون أن يمحو أصلها. وبين الهبة الإلهية والاختيار الحر، تتشكل قيمة الإنسان ومساره.
اللهم كما كرّمتنا بالخلق، وفّقنا لاختيار ما يليق بهذه الكرامة، ولا تجعلنا ممن عطّلوا فطرتهم، واهدِنا إلى ما يرفعنا إليك.
✍️ أحمد باقر الطويل