مصطلح الأسبوع
"الأحوط استحباباً: دلالته الفقهية وأثره على سلوك المكلف"
الشيخ حسين التميمي
العتبة العباسية المقدسة
إنَّ مصطلح الأحوط استحباباً يُعدّ من المصطلحات الفقهية الدقيقة التي تُستعمل في الحوزات العلمية لبيان موقف الفقيه من مسألةٍ معيّنة عندما لا يكون الدليل فيها قطعياً، ولكن يُرجَّح فيها جانب الخير أو الأفضلية مقروناً بمراعاة الاحتياط. وعندما يصرّح المرجع أو المجتهد في فتواه بعبارة «الأحوط استحباباً»، فإنما يُشير إلى أن العمل بهذا الاحتياط لا يبلغ حدّ الوجوب الشرعي، ولا يرقى إلى مستوى الإلزام الملزم، بل هو ترجيح واستحباب يُنصَح باتباعه لمن أراد التورّع وتقوى الله تعالى، وهو أقرب إلى السلامة من تركه. فالأحوط استحباباً يقوم على قاعدةٍ منهجية دقيقة، تتمثّل في مراعاة ما يُظنّ أنه أقرب إلى البراءة من الوقوع في مخالفة محتملة، من دون إيقاع المكلَّف في الحرج، لكونه غير ملزَم به إلزاماً قطعياً.
ومفاد قول المرجع أو المجتهد بهذا المصطلح أن المكلَّف، إن التزم بهذا الاحتياط، ينال أفضليةً دينية ويكون في مأمنٍ من احتمال الوقوع في مخالفة، بينما إذا تركه فلا يُعدّ مخطئاً شرعاً، إذ يكون في هذه الحالة مخيَّراً بين الالتزام به أو عدمه، بحسب قدرته وظروفه. وغالباً ما يُستعمل هذا المصطلح في مسائل الطهارة والصلاة والمعاملات المالية، حيث تتعدّد الروايات أو يوجد احتمال عدم الاستيفاء التامّ للشرط، فيغدو الاحتياط الاستحبابي وسيلةً لتجنّب الريبة أو الشك.
وتكمن الأهمية العملية لهذا المصطلح في كونه يعلّم المكلَّف التدرّج في التعامل مع الأحكام الشرعية، فالأحوط استحباباً يغرس في نفسه روح الورع والحرص على التقوى، ويُنمّي لديه القدرة على التمييز بين الاحتياط الوجوبي الذي لا يجوز تركه، وبين الاحتياط الاستحبابي الذي يُستحب الأخذ به من دون إلزام. كما يعكس هذا المصطلح حرص المرجع على تيسير التكليف وعدم إثقال كاهل المكلَّفين، وفي الوقت نفسه يوفّر لهم منهجاً علمياً منظّماً لاتخاذ القرارات الدينية في شؤون حياتهم اليومية. وبذلك يغدو قول المرجع «الأحوط استحباباً» دعامةً فقهيةً لتعزيز الوعي الديني، وتحقيق التوازن بين الالتزام الشرعي والقدرة الواقعية للمكلَّف، بما يُرسّخ الفهم المعاصر لدور الفقه في توجيه سلوك الفرد ضمن ضوابط مرنة ومنهجية علمية.