حلَّ شهرُ رجب من جديد؛ وهو في الخطاب الديني ليس مجرّد مرحلة زمنية في التقويم، بل نداءٌ روحيّ وتنبيهٌ عميق. تنبيهٌ للذين أرهقتهم سرعة الحياة اليومية، وابتعدت قلوبهم عن الله، فإذا بهذا الشهر يفتح أمامهم بابًا جديدًا للعودة. فقد وصفت الروايات الإسلامية رجبًا بأنه شهر تتدفّق فيه الرحمة الإلهية بلا انقطاع، وتُضاعَف فيه قيمة الأعمال مهما كانت صغيرة.
وقد ورد في الأحاديث أن رجب هو «شهر الله»، تُضاعَف فيه الحسنات وتُمحى السيئات. وهذه المعاني ليست وعودًا أخروية فحسب، بل برنامجًا عمليًا للحياة؛ فمن جعل رجب شهرًا لإصلاح السلوك، وضبط اللسان، وغضّ البصر، ومراقبة القلب، دخل عمليًا في مسار التربية الإلهية. أما النداء يوم القيامة: «أين الرجبیون»، فيكشف أن الانتساب إلى رجب ليس شعارًا زمنيًا، بل هو ثمرة تعظيم هذا الشهر في السلوك والعمل.
وقد أكّد علماء الأخلاق أن رجب شهر «المراقبة» والمحاسبة؛ شهر التوقّف وإعادة النظر. وهو شهرٌ كان محترمًا حتى في زمن الجاهلية، حيث كان الناس ينتظرونه للدعاء. فجاء الإسلام ليمنح هذا الاحترام بعدًا أعمق، ويجعله موسمًا للتزكية وبناء النفس. إن رجب تدريبٌ على ترك المعصية قبل الإكثار من العبادة، وتمهيدٌ ضروري للدخول الواعي في شعبان ثم رمضان.
ويتميّز هذا الشهر بدعاءاته العميقة في مضمونها، حيث يغلب عليها الطابع التوحيدي وطلب الهداية والرجوع الصادق إلى الله. كما حظيت تلاوة القرآن فيه بمكانة خاصة، بل قُدّمت على الإكثار من الدعاء؛ لأن القرآن هو البوصلة التي تهدي القلب وتمنح الدعاء معناه الحقيقي.
وفي زمن تتشابك فيه الأزمات الأخلاقية والاجتماعية، تأتي رسالة رجب واضحة: الإصلاح يبدأ من الداخل. فالصيام، والدعاء، والاستغفار، وإحياء الليل في هذا الشهر ليست هروبًا من الواقع، بل أدوات لبناء إنسانٍ أكثر وعيًا، وأشد مسؤولية، وأعمق اتصالًا بالله.
إن رجب يذكّرنا بأن باب الرجوع لا يزال مفتوحًا، بشرط ألّا يبقى هذا النداء مجرّد كلام، بل يتحوّل إلى فعلٍ وسلوكٍ حيّ.