في الأيام التي خيّم فيها الحزن على بيت عليّ(ع) بعد غياب شمس فاطمة الزهراء(س)، كان ثِقَلُ اليُتم يجثم على قلوب الأطفال الصغار. وبينما كان عليّ(ع) يواجه ألم الفقد ووقع نظرات الناس، كان همُّه الأكبر هو طمأنينة أبناء فاطمة(س) ومستقبلهم. ومن هذا الحرص الأبويّ، طلب من أخيه عقيل ــ العلّام بالنَّسَب ــ أن يختار له امرأةً كريمة الأصل، سامية المَحتِد، تكون بلسمًا لجراح الأطفال ورفيقةً صالحة في هذا البيت المكلوم.
وهكذا شاء الله أن يدخل اسم فاطمة بنت حزام ــ التي عُرفت لاحقًا بأمّ البنين ــ صفحات التاريخ. فمنذ اللحظة الأولى لدخولها بيت عليّ(ع)، لم تكن مجرّد زوجةٍ لإمامٍ عظيم، بل كانت أمًّا حنونًا لأبناء فاطمة(س)، تُفيض عليهم من عطفها بلا حدود، وترى نفسها خادمةً لذكرى الزهراء(س) ومكانتها. لقد عُرفت أمّ البنين بالتواضع، والنُّبل، وشدّة الوفاء، فكانت عماد المحبّة والسَّكينة في ذلك البيت.
ورُزقت من هذا الزواج المبارك أربعة أبناء، كان أشهرهم العباس(ع)ــ قمر بني هاشم ــ الذي صار رمزًا خالدًا للبطولة والوفاء. ولم يكن مجده وفروسيّته من فراغ؛ بل نبتا في حِجر أمٍّ غذّت أبناءها على الولاء، والشهامة، والإيمان العميق.
وإذا كانت كربلاء قد صارت مدرسةً خالدةً للوفاء، فإن أحد منابع هذا الوفاء كان قلب أمٍّ وهبت أبناءها الأربعة للحقّ، ولم تتردّد لحظة في تسليمهم طريق الفداء. أمّ البنين لم تكن مجرّد زوجة بعد الزهراء(س)، بل كانت روحًا أشرقت في بيتٍ مفجوع، فأعادت إليه الدفء، وبَنَت جيلاً بلغ قمّة المجد.
وما ذكرها اليوم مجرّد حكايةٍ تاريخيّة، بل رسالةٌ تعلّمنا كيف تستطيع امرأةٌ واحدة، بإيمانها ومودّتها ووفائها، أن تُعيد الحياة إلى بيتٍ منكسر، وتُنشئ رجالًا يخلّدهم التاريخ.