printlogo


printlogo


"قبس"

ومضةُ نورٍ تُضيء الفكر بروح الإيمان
قبس: حين يتزيّن الظلام بالنور
زاوية تبحث عن النور الحقيقي في زمنٍ تتشابه فيه الأضواء، وتفوح فيه الروائح المتناقضة بين طيبٍ صادقٍ وعطرٍ مزيف.
في زمنٍ يختلط فيه الضوء بالوهج، والنقاء بالبريق، يصعب على القلب أن يفرّق بين النور الذي يهدي والنور الذي يُعمِي.
فليس كل ما يلمع ضياء، ولا كل ما يسطع هداية.
كثيرون يرفعون راية النور، لكنهم يسيرون بها في طرقٍ معتمة، يضيئون وجوههم ليُخفوا ظلمة قلوبهم، ويتحدثون عن الحقّ بألسنةٍ خُلقت لتُبرّر الباطل.
قال الله تعالى: "اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ"، (سورة النور، آية 35).
النور الحقيقي لا يُطلَب بالعين، بل يُدرك بالبصيرة.
فكم من وجهٍ تلألأ تحت ضوء المصابيح، لكنه في عرش الله مطفأ، وكم من قلبٍ خافتٍ لا يراه أحد، هو عند الله منارةٌ تهدي السفن التائهة في بحر الحياة.
النور الذي يُغريك والنور الذي يُنجي
ثمة ضوءٌ يُغريك وثمة ضوءٌ يُنجيك.
الأول يبهرك بسطوعه فيغويك، والثاني يهديك برحمته فينقذك.
الضوء الأول يسكن الواجهة، في الألق، في الخطاب، في الوعود المذهّبة.
أما الثاني، فيسكن العمق في السكون، في الخفاء، في صدق النية.
الذين يتخذون النور زينةً يلبسونه على وجوههم ليستروا عتمتهم، أما الذين عرفوا الله حقًا، فالنور يخرج من داخلهم بلا إذنٍ ولا تكلّف.
الأول يقول: “انظروا إليّ كيف أُضيء!”
والثاني يقول: “اللهم اجعلني سببًا ليُبصر غيري طريقه.”
حين يصبح النور تجارة
في سوق الأرواح، يُباع النور كسلعة.
تُغلفه الشعارات، وتُسوّقه الخطب، وتُزيّنه الكلمات التي لا تُضيء إلا بقدر ما تُخدّر.
هناك من يرفع اسم الحقّ ليستر به مصلحته، ومن يتحدث عن الإخلاص بلسانٍ مملوءٍ بالرياء، ومن يُكثر من ذكر الله وهو لا يعرف طريقه إلا حين يحتاجه شاهدًا على مظهره.
ذلك هو التاجر بالنور، الذي يبيع الهداية كي يشتري بها وجاهةً أو مكانةً أو تصفيقًا.
يشعل في الناس فتيل الحماس، لكنه يتركهم في العتمة بعد أن تنطفئ كلماته.
قبس الهداية الصامت
ثم هناك أولئك الذين لا يُشبهون أحدًا.
لا يرفعون أصواتهم، ولا يُظهرون زهدهم، ولا يكتبون أسماءهم تحت كل فعلٍ جميل.
يسيرون في صمتٍ يشبه الصلاة، وتضيء بهم الطرق دون أن ينتبهوا.
هم الذين يحملون قبسًا من النور الإلهي، لا يطفئه مديح، ولا يشوبه رياء.
قلوبهم صافية كالماء، إذا مرّوا بقلوب الآخرين تركوا فيها أثرًا من الطمأنينة
وإذا تكلموا، خرج من كلامهم شيءٌ من ضوء.
هم الذين قال فيهم أمير المؤمنين عليه السلام:
"هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة، وباشروا روح اليقين، واستلانوا ما استوعره المترفون"، (نهج البلاغة، الخطبة 193).
الخلاصة:
ليس النور في الكلمة، بل في الصدق الذي يسكنها.
وليس في الوجه، بل في القلب الذي خلفه.
النور الذي يُرى بالعين يزول بزوال الظل، أما النور الذي يُزرع في القلب، فلا ينطفئ ولو غابت الشموس.
فقبس الهداية ليس ضوءًا يُرى، بل أثرًا يُحس، فلنحذر أن نكون من أولئك الذين يضيئون ليراهُم الناس، ولنطلب أن نكون من الذين يضيئون لأنّ الله رآهم فأنارهم.
فكم من بريقٍ خدّاع، وكم من خفاءٍ طاهرٍ هو قبسٌ من الجنة.
اللهم لا تجعل نورنا زخرفًا، ولا إيماننا مظهرًا، واجعل في قلوبنا قبسًا من هدايتك، نُبصر به الحق، ونسير به إليك بصدقٍ لا يُطفئه رياء، ولا تُطفئه الدنيا.
 زاوية قبس – إعداد: أحمد باقر الطويل